السيد كمال الحيدري
32
المدارس الفلسفية في العصر الإسلامي
الطريق لمعرفة الحقائق الوجودية لا ينحصر - في المقام الأوّل من البحث - في البرهان والاستدلال العقلي المحض ، وإنّما يمكن أيضاً الوصول إلى تلك المعارف من خلال المكاشفات العرفانية ، وإن بقي معتقداً أنّ السبيل الوحيد في المقام الثاني من البحث هو الاستدلال العقلي لإثبات تلك الحقائق للآخرين . ومما ذكرناه يتبيّن الخلط الذي وقع فيه الباحث المغربي محمّد عابد الجابري - في كتابه نحن والتراث - حيث زعم أنّه لابدّ من تصنيف « ابن سينا » على الفريق الباطني المعتقد بالكشف والشهود ، ولا يصحّ جعله في طبقة المؤمنين بالاستدلال العقلي « 1 » . الموقف من الشريعة بقيت هناك مقولة أشار إليها السبزواري ، ويردّدها آخرون أيضاً ، تفيد أنّ الفلسفة المشّائية في العصر الإسلامي لا تعنى كثيراً بمطابقة مقولاتها الفلسفية التي انتهت إليها من خلال أصولها العقلية وقواعدها المنطقية ، لظواهر الشريعة المقدّسة ، بل هي مؤمنة بتلك المقولات الأساسية في هذه المدرسة سواء طابقت ظواهر الشريعة الإسلامية أم لا . إلّا أنّه لا يمكن الإذعان لهذه الدعوى على إطلاقها ؛ لأنّ المفروض بهذه المدارس أنّها تتّصف جميعاً ب « الإسلامية » ، وهذا يستلزم أن تكون
--> ( 1 ) ينظر : نحن والتراث : قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي ، محمد عابد الجابري ، المركز الثقافي العربي ، الطبعة الخامسة ، المغرب ، 1986 ، ص 87 فما بعد . .